تأملات في السيرة النبوية 7 :نحو خدمة علم السنن الاجتماعية (1)



قال الله تعالى: (( قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ 140)) سورة آل عمران، حزب 7 الآيات 137- 140

تتحدث هذه الآيات عن شأن عظيم من شؤون الاجتماع البشري وعلاقة أهل الإيمان به، وفيها تبيين لقواعد جارية في حياة البشر، وسنن ماضية في تطور الأفراد والمنظمات والمجتمعات والدول والحضارات، لا تتغير ولا تتبدل، مثلها مثل قواعد الفيزياء والرياضيات والبيولوجية والفلك وغيرها التي تتشكل على أساسها الحياة.
و بفضل الله وفقت في انجاز بحث حول هذه الآيات أعرضه ضمن حلقات متتابعة مواصلة لسلسلة التأملات في القرآن الكريم التي كنا قد بدأناها قبل أشهر

||>> نحو خدمة علم السنن الاجتماعية - الحلقة الأولى  

>> مقدمة:

تتحدث هذه الآيات عن شأن عظيم من شؤون الاجتماع البشري وعلاقة أهل الإيمان به، وفيها تبيين لقواعد جارية في حياة البشر، وسنن ماضية في تطور الأفراد والمنظمات والمجتمعات والدول والحضارات، لا تتغير ولا تتبدل، مثلها مثل قواعد الفيزياء والرياضيات والبيولوجية والفلك وغيرها التي تتشكل على أساسها الحياة. من هذه القواعد والسنن ما يكتشفه البشر بالتأمل والتجريب عبر العصور، ومنها ما لا يكتشفونه. والأمم التي تبذل الجهد العلمي الأكبر هي التي تسبق لاكتشافها وفهمها، فإن نظّمت حياتها وفقها استقامت لها الدنيا وخضعت لها جوانبها ولا فرق في ذلك بين مؤمن وكافر إذ الدنيا لمن يجتهد فيها، وقد يكون إخضاعها طريقا للآخرة. غير أن الإيمان يعين صاحبه على إدراك سبل إخضاع الدنيا قبل غيره، لتطابق حالة الخضوع للخالق بين المؤمن والكون الذي هو "الكتاب المنظور"، وللإشارات والتنبيهات التي يخص بها الله المؤمنين في القرآن الذي هو "الكتاب المقروء"، ولاستعداد المؤمن لاتباع السنن وعدم مصادمتها بما حباه الله من صبر واستقامة، ثم لتوفيق الله له وعونه رحمة به وتكريما له لاختياره جواره. وقد يغفل المؤمن فلا يدرك السنن فيغلبه الكافر ويظهر عليه، ولكن ذلك لا يدوم ففي النظر في وقائع التاريخ دليل أن عاقبة المكذبين في تباب، وإنما يبتلي الله أهل الإيمان بدولة الباطل ليبين لهم بأن إيمانهم لا يعفيهم من الأخذ بأسباب القوة.
سأحاول أن أستلهم من هذه الآيات ما يعيننا على خدمة علم السنن الاجتماعية لعلنا نساهم في رسم مسارات موصلة إلى ذلك تضاف لما يبذله المهتمون بهذا العلم النفيس. سأتطرق في هذا االمساهمة إلى مراجعة سياق نزول هذه الآيات لأهميتها في إدراك قيمة الموضوع، ثم أتوقف عند تعريف السنن وفق ما ذهب إليه العلماء والمفسرون. وأحدد نوع السنن التي تقصدها الآية وأذكر بخصائصها، ثم أتطرق إلى تبيين أهمية دراسة السنن، وأوضح المصادر المختلفة لدراستها. وفي الأخير أقترح منهجية مختصرة لخدمة علم السنن. وأترك التفصيل في السُّنة الأساسية التي تتحدث عنها الآية وهي سنة التداول إلى مناسبة أخرى.

>> سياق النزول:

نزلت هذه الآيات ضمن سياق الحديث عن غزوة أحد التي تعتبر من أكثر الغزوات عبرا وعظات. وأسست لمفاهيم إسلامية أساسية كثيرة، منها ما هو موضوع هذه الآيات حيث يُعلِم الله تعالى المؤمنين بأن الحرب بينهم وبين الكفار سجال، وأن إسلامهم لا يعني نصرهم الدائم على عدوهم وإنما يحكم ذلك سننٌ يجب أن يقتفوا أثرها في الكون الذي يعيشون فيه وأن يتأملوها في من خلا قبلهم، وفي أنفسهم وفي الواقع الذي يحيونه. فخسرانهم في غزوة أحد بعد أن كادوا يظفرون وبعد أن نصرهم من قبلُ في غزوة بدر الكبرى إنما سببه عدم اتباع قواعد النصر من طاعة لرسول الله، والتزام خطة الحرب المتفق عليها، ومسارعة فئة منهم إلى غنيمة شخصية صغيرة عاجلة، على حساب غنيمة عامة أوفر في الدنيا وأبقى في الآخرة، لو كان صبرهم أقوى بقليل وأطول بيسير. غير أن الله يعلم بأن هذه الفئة التي أخطأت وخالفت السنن هي الأصلح، فأراد أن يواسيها ويسليها ويثبتها فأخبرها بأنها هي الأعلى شأنا وقدرا ووعدها بأنها هي التي ستكون الأعلى في الأرض والأظهر ما التزمت بأسس الإيمان ومعانيه التي ذكرها قبل هذه الآيات في سورة آل عمران، وما الجراح والآلام التي أصابتهم إلا مكاره تصيب الكفار كذلك فتكون لهم عقابا بأيدي المؤمنين، وتصيبهم هم كذلك فتكون سبيلا للتمحيص حتى يتميز المؤمن الصادق عن الكافر والمنافق، وليكون المؤمنون المجاهدون صورا حية للحق تشهد في حياتهم بالحق لصالح الحق وضد الباطل، ومنهم من يصطفيه الله فيقتل في سبيل الله فيبقى قدوة للأحياء وهو ميت، تواصل ذكراه الشهادة بينهم ويذهب هو إلى جوار ربه الحي الذي لا يموت. وبهذه القصة الواقعية التي حدثت لجيل الصحابة يضرب الله المثل للناس أجمعين عامة، وللمؤمنين خاصة، فرسم سبحانه بذلك معالم للتأمل وسطر منهجا للاتباع إلى أن تقوم الساعة.

0 commentaires:

إرسال تعليق

Loading

تابعنا

Twitter Facebook Favorites